التصنيفات
الرعاية الاجتماعية و النفسية

ما دور الاباء والامهات في تربية الابناء في سن ما قبل المدرسة

تعتبر فترة الطفولة من أخطر الفترات في حياة الإنسان وفيها تتحدد ملامح رجل وامرأة الغد، ومعاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات، وكثيرًا ما يتساءل الآباء عن أجدى السبل للتعامل مع أبنائهم، وخاصة في مرحلة ما قبل المدرسة، حيث قمة النشاط والحيوية والرغبة في التعلم والمعرفة.
يقدم لنا الدكتور علي السيد سليمان أستاذ الصحة النفسية بجامعة القاهرة في هذا الحوار نصائح للآباء والأمهات حول تربية الأبناء في سن ما قبل المدرسة:
<= مرحلة الحضانة أو ما قبل المدرسة تتميز بخصائص معينة لابد أن يعرفها الآباء والأمهات حتى يعاملوا الطفل بطريقة صحيحة، فما أهم خصائص هذه المرحلة؟ وما دور الآباء والأمهات فيها؟
<< عادة ما ينتقل الطفل إلى مرحلة رياض الأطفال، وهو مسلح بطاقة متزايدة تتمثل في سهولة حركة عضلاته الكبرى، مما يتيح له قدرًا كبيرًا من المشي والجري والتسلق، وقد يضيق الأهل بهذا النشاط الزائد من جانب الطفل، ويحاولون الحد من حركته مما يسبب ضيقًا شديدًا له، فى الوقت الذي ينبغي فيه أن توجه هذه الطاقة الحركية في اللعب المنظم، أي ينبغي ترشيد هذه الطاقة ليستفيد منها الطفل في بنائه ونموه.
كما يلاحظ أيضًا أن الطفل في هذه المرحلة يكون مسلحاً بطاقة متزايدة تتمثل في كثرة الكلام والأسئلة، وقد يضيق الأهل بهذا النشاط، وينهرون الطفل، مما يسبب إحباطًا هائلاً له، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تستثمر هذه الطاقة اللفظية في إثراء معارف الطفل ووجدانه وإشباع حبه ونهمه للمعرفة، وبالقدر الذي يكون فيه الآباء على علم ودراسة وفهم في الرد على الطفل وإشباع استجاباته نحو المعرفة بقدر ما ينمو الطفل عقليًا، فنمو ذكائه وقدراته العقلية العليا كالتذكر والإدراك والتخيل والتفكير، يسهم في بناء العقل المفكر والمتفتح.
<= وهل يؤثر اللعب في بناء الطفل النفسي والعقلي؟
<< لا يمكن أن نغفل دور اللعب في هذه المرحلة، وقد يطلق عليه اللعب الإبهامي أو الإسقاطي، والمقصود باللعب الإبهامي أن يتطابق الطفل مع أدوات اللعب المتاحة أمامه، فنرى الطفلة تحمل عروستها وتدللها وقد تنهاها عن عمل شيء وتوبخها وتضربها، وكل ذلك تعبير صريح وكشف لما تعانيه الطفلة في حياتها اليومية، ويستطيع الملاحظ الخبير أن يتعرف نوع تربية الطفل والعوامل الفاعلة في بناء شخصيته وما يحققه من إنجازات أو إحباطات أثناء متابعته للطفل وهو يلعب.
والمقصود باللعب الإسقاطي أن يسقط الطفل مشاعره وصراعاته على اللعب، ومن ثم يعتبر اللعب من أهم وسائل التنفيس عند الطفل.
كما أن اللعب مجال خصب من جانب الكبار لإرشاد الطفل وإكسابه الأنماط السلوكية المرغوبة كالنظام والتعاون وإكسابه المهارات المختلفة.
ولا نغالي إذا قلنا: إن اللعب بالنسبة للطفل هو بمثابة العمل بالنسبة للبالغ، وكما أننا لا نتخيل راشدًا بدون عمل فلا يمكن أن نتخيل أن هناك طفلاً لا يلعب.
ويخطئ الكثير من الآباء حين يظنون أن الطفل الهادئ قليل اللعب والحركة طفل مثالي، بل على العكس، فالمربون والسيكولوجيون يرونه طفلاً بائسًا ينقصه السواء النفسي.
وفي هذه المرحلة يبدأ تكوين المفاهيم عند الطفل (مفهوم الزمن، مفهوم المكان، العدد).
وينمو الذكاء ويدرك الطفل العلاقات وتزداد قدرته على الفهم، وتزداد شيئًا فشيئاً القدرة على تركيز الانتباه، أما القدرة على التذكر فإن الطفل يتذكر العبارات المفهومة وبعض أجزاء الصورة الناقصة.
ويلعب التخيل دوراً في حياة الطفل عن طريق اللعب الإبهامي، ويكون خياله خصبًا في هذه المرحلة، ويتميز التفكير بأنه ذاتي يدور حول نفس الطفل، ولكن التفكير يغلب عليه الخيال.
وعن النمو اللغوي يمكننا القول إنه يتميز في هذه المرحلة بالسرعة تحصيلاً وتعبيرًا وفهمًا، ومن مطالب النمو اللغوي في هذه المرحلة تحصيل عدد كبير من المفردات وفهمها بوضوح وربطها مع بعضها البعض في جمل ذات معنى، ويمر النمو اللغوي بمرحلتين: مرحلة الجمل القصيرة (في السنة الثالثة) ومرحلة الجمل الكاملة (تبدأ في السنة الرابعة).
صدمة الفطام
<= يتعرض الطفل في بداية حياته لموقف الفطام الذي قد يسبب له بعض المشكلات النفسية، مما يؤثر على سلوكه فيما بعد في مرحلة ما قبل المدرسة، فما أثر الفطام على الطفل؟ وما الطريقة الصحيحة لفطام طفل السنتين؟
<< يعتبر الفطام أول موقف صدمي إحباطي يتعرض له الطفل في حياته، فهو قد تعود أن يحصل على غذائه من الأم، بكل ما يعنيه ذلك من ارتباطه بها سيكولوجيًا، وفجأة يجد أن هذا الوضع قد تغير وأن عليه أن يقبل وضعًا جديدًا ينطوي على ابتعاد نسبي عن الأم وانفصال عنها، بل ويكون عليه أن يتقبل أنواعًا جديدة من الطعام قد تكون غير مألوفة بالنسبة إليه.
وعملية مص ثدي الأم هي النشاط الأساسي لدى الطفل في أشهره الأولى، وهي مصدر إشباعه على المستوى النفسي، ولذا فإن موقف الفطام، أو صدمة الفطام إذا جازت تلك التسمية إنما تعني الكثير بالنسبة للطفل.
ولذلك فإن عملية الفطام يجب أن تتم تدريجيًا حتى لا يشعر الطفل بصدمة التفكير المفاجئ، كما يجب الانتقال إلى التغذية بالألبان الصناعية في إطار يتشابه إلى حد كبير مع موقف الرضاعة الأصلي، فيرقد الطفل في نفس وضع الرضاعة الطبيعية ويحصل على نفس الحنان والرعاية، كما يجب إعطاء الطفل تدريجياً بعض السوائل المختلفة المذاق والانتقال تدريجيًا إلى استخدام الملعقة، ثم إعطاؤه بعض الأطعمة الخفيفة مع بداية ظهور الأسنان.
<= عندما تبدأ الأم في تعويد الطفل على الطعام، تظهر الكثير من المشكلات، منها رفض الطعام، وعدم وجود شهية، مما يقلق الأم.. فما رأيكم؟
<< قد يتساءل البعض عن العلاقة بين التغذية والمشكلات النفسية، ولكن الإجابة واضحة تمامًا إذا ما تذكرنا تلك الاضطرابات التي تصيب الجهاز الهضمي نتيجة مشاعر الخوف والغضب، وكذلك الاضطرابات الانفعالية وعدم التركيز الذي يصيب الفرد نتيجة لشعوره بالجوع أو مشاعر الضيق التي يشعر بها عند امتلاء المعدة وتعسّر الهضم.
فالعلاقة بين التغذية والانفعالات علاقة تبادلية، والفصل بين ما هو جسمي وما هو نفسي مسألة مصطنعة، فالطفل إذا غضب أو شعر بالوحدة أو انفعل لسبب أو لآخر فإنه قد يفقد شهيته للطعام، كما أن قدرة الجهاز الهضمي على الهضم والتمثيل تقل. وعملية التغذية تربط الطفل باهتمام الأم به، ولذا فإنها تكتسب دلالة انفعالية، فنجد الطفل يعبر عن غضبه برفض الطعام أو بصقه أو بعملية القيء.
وقد يستغل الطفل بطريقة لا شعورية الامتناع الجزئي عن الطعام كوسيلة لإجبار الوالدين على الاهتمام به والقلق عليه وانصرافهما إليه دون بقية إخوته.
ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى فقدان الشهية، وقد يكون دائمًا أو مؤقتًا، وقد يكون فجائيًا أو تدريجيًا، وقد يكون مصحوبًا أو غير مصحوب بأعراض أخرى مثل الاكتئاب والغضب.
وليس هناك شك في أن الطفل يتناول غذاءه بشهية أكبر عندما يكون بين مجموعة من الأطفال في المنزل أو الحضانة، بينما تضطرب شهيته إذا ما تناول الطعام بمفرده في وجود أبوين قلقين، يلاحظان كل جرعة يبتلعها.
إن الطفل عندئذ قد يستخدم رفضه للطعام كوسيلة للضغط على الوالدين وتؤدي انفعالات الآباء إلى مبالغة الطفل في رفضه للطعام.
ولذلك فإن موقف الآباء هو حجر الأساس بالنسبة لمشكلة تغذية الأبناء، فمن المشكلات التي تبرز هذه الأيام اعتقاد بعض الأمهات في تقنين كمية الطعام التي يحتاجها الطفل في سن معين، وتنشغل الأم في هذه الحالة بكمية الطعام التي ينبغي أن يتناولها، ويبدو عليها القلق إذا ترك الطفل شيئاً من طعامه، وقد تجبره على تناوله، كل هذا يربط الموقف كله بإطار انفعالي غير سار بالنسبة للطفل، كما أن تأرجح الأم بين الترهيب والترغيب قد يسبب اضطرابًا في علاقة الطفل بها، بكل ما يعنيه ذلك من فقدان الإحساس بالأمن، مما يسبب اضطراباً في شخصية الطفل.
ويعتبر الطفل موقف التغذية هو المجال الملائم للضغط على الوالدين وتحقيق رغباته، وكلما وجد قلقاً من ناحيتهما على طعامه زاد في رفضه، لشعوره بأنه يمكنه السيطرة عليهما بهذه الطريقة.
مص الأصابع والعلاج
<= يشكو بعض الأمهات من أن طفلها يمص أصبعه بصورة مستمرة، وكلما حاولت توبيخه على ذلك ازداد تعلقًا بهذه العادة السيئة فما تعليقكم؟
<< يبدأ الطفل في مص أصابعه منذ الأيام الأولى من عمره، وقد تستمر هذه العادة حتى الخامسة أو السادسة من العمر، وليس هناك شك في أن الطفل يستمتع بهذه العادة، ويجد فيها نوعاً من التسلية الذاتية، وتلك مسألة طبيعية في الشهور الأولى من عمره، ولكن إذا استمرت تلك العادة فإن علماء النفس يذهبون إلى أن ذلك إنما يكون بسبب عدم إشباع حاجات الطفل النفسية وافتقاره إلى الحنان والعطف، أو عدم حصوله على قدر كافٍ من الرضاعة الطبيعية من الأم بما يمثله هذا الموقف من أهمية على المستوى النفسي.
وعلى أي حال فإن سلوك الوالدين حيال ظهور هذه العادة لدى طفلهما يلعب دورًا رئيسًا في استمرارها أو التخلص منها، فكثير من الآباء يواجهون ظهور هذه العادة لدى الطفل بقلق شديد، وقد يلجؤون إلى وسائل بدائية كطلاء إصبعه بمادة ملونة تحمل طعماً مراً ويلجأ البعض إلى التعنيف والضرب أحيانًا، وكل ذلك لا يؤدي إلى توقف العادة، بل إن الآباء ينقلون قلقهما البالغ إلى الطفل من خلال سلوكهما معه، وبالتالي يزداد توتره وإحساسه بفقدان الأمن، فيزداد تمسكًا بتلك العادة التي تعطيه إشباعًا نفسيًا مؤقتًا.
فعلى الأبوين في مثل هذه الحالة أن يشبعا أولاً حاجات الطفل، وأن يتيحا له الفرص التي يحقق فيها ذاته ويشعر فيها بالأمن ولا يشيرا إلى هذه العادة في كل مناسبة وأمام الأصدقاء حتى لا يشعر بالحرج.
أما إذا كان مص الأصابع أحد الأعراض التي تظهر لدى الطفل مصاحبة لأعراض أخرى عصبية فإنه ينبغي في هذه الحالة أن نبحث عن علاج للاضطراب العصابي ككل أولاً.
قضم الأظافر
<= وهل ينطبق هذا الكلام على بعض الأطفال الذين يقضمون أظافرهم باستمرار؟
<< إذا جاز لنا القول بأن مص الأصابع سلوك سلبي استسلامي فإن قضم الأظافر وعضها يعتبر سلوكًا عدوانيًا تدميريًا، وإذا كانت السمة السائدة لدى الأطفال الذين يمصون أصابعهم هي الهدوء والتبلد، فإن ما يغلب على الأطفال الذين يقضمون أظافرهم هو النشاط الزائد والثورة، ومن هنا فإن توجيه طاقة الطفل ونشاطه إلى مجالات إيجابية كالانشغال في أعمال مناسبة أو الرياضة أو ما إلى ذلك، غالبًا ما ينتج عنه اختفاء هذه العادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.